إخوان الصفاء

36

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

كان يرى هذا الرأي ويعتقده ، كلامه في الرسالة الذهبية ، ووصيته لديوجانس ، وقوله في آخرها : فإنك ، عند ذلك ، إذا فارقت هذا البدن ، حتى تصير بخلاء في الجو ، تكون حينئذ سائحا سالما ساكنا غير عائد إلى الإنسيّة ولا قابل للموت . فصل وإنما استشهدنا على هذا الرأي بأقاويل الفلاسفة ووصاياهم ، وأفعال الأنبياء وسنن شرائعهم ، لأن في الناموس أقواما متفلسفين لا يعرفون من الفلسفة إلّا اسمها ، وأقواما من الشرعيّين لا يعرفون من أسرار الشريعة إلّا رسومها ، يتصدرون ويتكلمون فيها بما لا يحسنون ، ويتناظرون فيما لا يدرون ، فيناقضون تارة الفلسفة بالشريعة ، وتارة الشريعة بالفلسفة ، فيقعون في الحيرة والشكوك ، فيظنّون ويضلّون . ومما يدل على بقاء النفوس ، بعد مفارقتها أجسادها ، أن كل عاقل يتفكر في بكاء الناس وأحزانهم على موتاهم ، وقت مفارقة نفوسهم أجسادها ، فلو كان بكاؤهم على أجسامهم ، فما لهم والبكاء ، والأجساد بحضرتهم برمّتها ، وهم يشاهدونها لم ينقص منها شيء ، ولو أرادوا أن يحفظوها بأدوية تطلى عليها لا تغيّر زمانا طويلا ، كان يمكنهم ذلك ، بل يستوحشون منها ويدفنونها كراهة لمنظرها ، وعارا من فضيحتها ، إذا فارقتها نفوسها ، وإن كان بكاؤهم إنما هو حزن على فقدان ما كان يظهر من تلك الأجساد من الحركات والأفعال والحكم والفضائل ، فما لهم لا يبكون على فقدانها في وقت منامهم ، فإنها كلّها تعدم إلّا النّبض والتنفّس ! ألا ترى ، يا أخي ، أن هذه الألفة والأنس والمحبة والتودّد ، إنما هي لتلك النفوس الشريفة والجواهر النفيسة ؟ فإن هذا البكاء والأحزان والتأسّف والاستيحاش على فقدان تلك النفوس التي